الشيخ السبحاني

19

رسائل ومقالات

وأمّا تاريخ إقفال باب الاجتهاد وكيفيته فقد ذكره المقريزي في خططه وقال : إنّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي إلّا من أراده ، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلّا من كان مقلّداً لأبي حنيفة ، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد . وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نُشر مذهب مالك في إفريقية المغرب ، بسبب زياد بن عبد الرحمن ، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها ، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160 ه ، هو عبد الرحمن بن القاسم . قال : ونشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 ه ، وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد « جوهر » بجيوش مولاه « المعز لدين اللَّه أبي تميم معد » الخليفة الفاطمي ، إلى مصر سنة 358 ه ، فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه ( أي سوى مذهب الشيعة ) . ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال : فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 ه ، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعُودي من تمذهب بغيرها ، وأنكر عليه ، ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها ، والعمل على هذا إلى اليوم . « 1 »

--> ( 1 ) . راجع الخطط المقريزية : 2 / 333 ، 334 و 344 .